السبت , يناير 19 2019
الرئيسية / الآراء و التحليلات / آراء / الصغار كبروا: ودعوا صغار أناركية التشفير

الصغار كبروا: ودعوا صغار أناركية التشفير

حين كان أطفالنا صغاراً، كنا نصطحبهم إلى المطعم المكسيكي القريب الذي يحتوي طابقاً علوياً مجهزاً بمنطقة طعام مخصصة للعائلات والأطفال. بمجرد دخولك إلى تلك المنطقة؛ كنت تسمع مزيجاً من صراخ الأطفال وبكاء الرضع في سيمفونية بريئة مزعجة، كائنات لا يتجاوز طولها متراً واحداً تجري هنا وهناك تعيث في المكان فساداً، تمرّ بين سيقان الندل وتختبئ تحت الطاولات هرباً من ذويهم.

ولأن ابنتنا كانت تحب شرب الصلصة مباشرة من الوعاء، بينما كان ابننا يسكب كميات من صلصة الجواكامولي على الأرض أكثر مما يصل في فمه، فقد أحببنا هذه الأجواء للغاية، كانت هذه أناركية حقة.

لم يكن أحداً ليهتم ما إذا كان أبناؤنا يتبعون آداب تناول الطعام الصحيحة. ولكن مع نضوج الأطفال واكتسابهم لآداب سلوك المائدة، انتقلنا إلى الطابق السفلي حيث توجد قاعة الطعام الرئيسية، التي كان يطلب فيها البالغين مستوى أعلى من الخدمة، وكانوا يتصرفون بما يتناسب مع أعمارهم ونضجهم والخدمة المقدمة إليهم. بل إن أصحاب المطعم كان بإمكانهم وضع مفارش المائدة البيضاء على الطاولات بأريحية، والتي كانت–وياللعجب- تظل بيضاء على حالها، بلا بقع صلصة.

خلال سنواتها الأولى، كانت أسواق تداول العملة المشفرة تشبه قاعة الطعام في الطابق العلوي.

سيطر محبو المغامرة على هذه الأسواق وهيمن عليها الباحثون عن المخاطرة (إلى جانب بعض المحتالين)، وسادت الأناركية فلم تكن هناك قواعد واضحة بشأن التداول أو معرفة العملاء أو معايير الأمان. كان كل متداول يسعى نحو تحقيق مصلحته وحده.  

ومع نضوج هذه الأسواق، سعت بعض منصات التداول في الوقت الحالي إلى تقنين أوضاعها لتتحول إلى شركات ائتمان، تخضع للاختبارات السنوية من منظمي البنوك، ومتطلبات رأس المال، واللائحة الكاملة لقوانين مكافحة غسل الأموال والأمن الإلكتروني.

ومما عزز هذا الاتجاه؛ إطلاق منتجات العقود الآجلة للبتكوين مؤخراً على منصات التداول التي تنظمها هيئة تداول السلع، الأمر الذي أدى إلى اعتماد سياسات مكافحة التلاعب، وتحسين مراقبة السوق، واتفاقيات مشاركة المعلومات بين الأسواق الفورية للعملات المشفرة ومنصات تداول العقود الآجلة المنظمة.

ومع استمرار تداول العملات المشفرة ونضج سوق التداول، نشهد الآن اهتماماً من المستثمرين المؤسسيين، دون وضع أسعار البتكوين في الاعتبار، فقد تمكنت العملات المشفرة من النجاح بصرف النظر عن تلك الأسعار، ورأيي الشخصي هنا هو أن البتكوين سيستمر كوسيلة لحفظ القيمة. بدأت النقود الذكية في تقبل البتكوين باعتبارها فئة أصول جديدة شرعية وأخذت تسعى لفتح أسواق جديدة منظمة للاستثمار.

حتى أن أمانة براهمة بوسطن Boston Brahmin Fidelity “طبقة العائلات العريقة الراقية في بوسطن” دخلت إلى هذه الساحة، وأعلنت مؤخراً عن إطلاق شركة مستقلة للتعامل مع حيازة عمليات التداول للعملاء المؤسسيين وتنفيذ هذه العمليات.

عقبة في الطريق

ومع كل ما قيل، لا يزال العديد من المستثمرين المؤسسيين يترددون في أخذ الخطوة.  وهذا دليل على قوة إجراءات حماية المستثمرين التي تطبقها لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، التي تريد من خلالها لعب دور في مجال العملات المشفرة من خلال إيجاد منتج على منصات تداول الأوراق المالية المنظمة. ومع ذلك، رفضت لجنة الأوراق المالية والبورصات في الآونة الأخيرة تسعة طلبات تلقتها لإدراج منتجات متداولة تابعة للعملات المشفرة (ETP).

الطلب الذي تقدمت به منصة سي بي أو إي CboeBZX  لإدراج وتداول أسهم شركة سوليد إكس بتكوين Solidx Bitcoin الصادرة عن صندوق فان إيك سوليد إكس للبتكوين VanEck SolidX Bitcoin Trust لا يزال قيد الانتظار، مع أن الكثيرين كانوا يعتبرون هذا الطلب هو الأقرب للحصول على موافقة الجهة المنظمة.  

ولكن في تصريحاته التي أدلى بها مؤخرًا أمام مؤتمر كونسنسيس إنفست Consensus Invest، قضى رئيس لجنة الأوراق المالية والبورصات جاي كلايتون على أي بصيص أمل بشأن موافقة لجنة الأوراق المالية والبورصات على أي منتج متداول وأعاد التأكيد على مخاوف لجنة الأوراق المالية والبورصات بصدد مدى قوة مراقبة الأسواق الفورية للعملات المشفرة بالإضافة إلى تدابير الحماية ضد “سرقة أو اختفاء” أصول التشفير.

تركز لجنة الأوراق المالية والبورصات تركيزاً كبيراً على حماية المستثمرين من التلاعب في السوق وتأمين أصولهم المشفرة. وهو الأمر الذي تعتبره لجنة الأوراق المالية مهمتها الرئيسية. ومع ذلك، لا توجد فئة واحدة للأصول على وجه البسيطة يمكنها تقديم ضمانات مطلقة ضد الهجمات الإلكترونية أو محاولات التلاعب. والسؤال الحقيقي هو ما إذا كانت المنتجات المتداولة المقترحة توفر حماية قوية تضاهي تدابير الحماية المقدمة إلى المستثمرين عند تداول أنواع أخرى من المنتجات المتداولة على منصات التداول المعتمدة من لجنة الأوراق المالية والبورصات.

فيما يتعلق بتدابير حماية المستثمر من الخسارة الناتجة عن النشاط الإجرامي أو الخطأ التشغيلي، يقدم صندوق فان إيك تدابير حماية مكثفة. على عكس الطلبات الأخرى المقدمة بشأن المنتجات المتداولة؛ عندما يشتري المستثمر أسهم فان إيك، يبتاع الصندوق ما يعادل هذه القيمة من عملات البتكوين الحقيقية. ويؤمن الصندوق هذه الكمية من البتكوين باستخدام أفضل الممارسات في الصناعة، وهي محافظ التخزين البارد متعددة التوقيع مع النسخ الاحتياطية المحفوظة في أماكن جغرافية متعددة لأغراض التعافي من الكوارث.

ولإضافة المزيد من الضمانات، يحتفظ الصندوق بتأمين شامل لحماية المستثمرين من الخسارة.

خلق التوازن

ومع ذلك، تتفاوت قوة مراقبة السوق وسياسات مكافحة التلاعب بين أسواق تداول العملات المشفرة المتعددة، مما يدعو إلى القلق. وإذا نظرنا إلى الناحية الإيجابية من الأمر، سنجد أن عمليات تداول البتكوين في العديد من الحالات تقلل -كما يزعم البعض- من احتمالية التلاعب مقارنة بالأسواق الفورية للأصول الأخرى التي يكون التداول فيها أكثر تركيزًا.

كما أن التحكيم الفعال بين التداول خارج المنصات ومنصات التداول الفوري ينبغي أن يقلل من مخاطر التلاعب. علاوةً على ذلك، لا تتوفر معلومات داخلية أو معلومات حيوية غير متاحة للجمهور حول التعاملات التي ينبغي الانخراط فيها، وسيكون من الصعب نشر معلومات خاطئة أو مضللة عن البتكوين لأن العرض الكلي تحدده خوارزمية عامة ومباشرة.

ولكن على الجانب السلبي، فإن السيولة القليلة لسوق البتكوين الفورية والهيمنة عليها من جانب المستثمرين الأفراد تزيد من مخاطر التلاعب. المعضلة هنا هي أن زيادة المشاركة المؤسسية في هذه الأسواق -التي يمكن أن تيسرها موافقة لجنة الأوراق المالية والبورصات على المنتجات المتداولة- ربما تكون ضرورية لتحقيق قدر أكبر من السيولة.

وبشكل أعم، سيكون لدخول مزيد من المتداولين المؤسسيين بطلبهم المرتفع تأثيراً انضباطياً على منصات تداول العملات المشفرة سيؤدي إلى تشديد المراقبة. فالسعر الأولي لكل سهم من المنتجات القابلة للتداول هو 25 بتكوين، مما يعني تداول الأسهم من قبل المستثمرين المؤسسيين والمستثمرين الكبار الآخرين المجهزين بشكل أفضل من المستثمرين الأفراد لتحقيق المزيد من الشفافية والضمانات المضادة للتلاعب.

ولا تزال تواجه لجنة الأوراق المالية والبورصات مهمة صعبة في ضمان الحماية المناسبة للمستثمرين دون وضع معايير مرتفعة ومستحيلة. من خلال استيعاب مشاركة مؤسسية أكبر في أصول التشفير، يمكن أن تفرض لجنة الأوراق المالية والبورصات معايير محسنة في الأسواق الفورية التي يسيطر عليها مستثمرو التجزئة، وفي بعض الأحيان يكونون عرضة للخطر.

يمكن أن ينتج عن تجربة المنتجات المتداولة مع قاعدة مستثمرين مؤسسيين معلومات إرشادية للعمل المستقبلي على منتج يقدم للمستثمرين الأفراد أماكن للتداول تحت مراقبة لجنة الأوراق المالية والبورصات. لقد نضجت الأصول المشفرة وباتت جاهزة لدخول منصات تداول الأوراق المالية المنظمة بالكامل.

لنأمل أن تتمكن لجنة الأوراق المالية والبورصات من إيجاد المسار الآمن لمواكبة مستقبل العملات المشفرة.  

هذا المقال مترجم عن كوين ديسك

عن فريق التحرير

شاهد أيضاً

أليكس غلادستاين لمجلة التايم: أهمية البتكوين من أجل الحرية

في مدينة كوكوتا الحدودية، يتدفق اللاجئون الفنزويليون نحو كولومبيا، بحثاً عن الغذاء لإطعام عائلاتهم. سنواتٌ …