الرمال، والموت والعملات المُشفرة: الحياة في سوريا اللامركزية

الرمال، والموت والعملات المُشفرة: الحياة في سوريا اللامركزية

ريتشل روز أوليري، محررة بموقع كوين ديسك CoinDesk، تتناول مشهد العملات المشفرة في سوريا. وإليكم نص المقال:

أكتب هذا التقرير من الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا.

أو كما يعرفها أنصارها ببساطة باسم روجافا، وهو ما يعني غرب كردستان. ثارت تلك المناطق ذات الأغلبية الكردية على النظام السوري في عام 2012، وحققت أملها في الحكم الذاتي على أرض الواقع.

ومنذ ذلك الحين، تنادي روجافا بنظام سياسي جديد باسم الفيدرالية الديمقراطية، وهو يمتاز باتساق طبيعي مع تكنولوجيا البلوكتشين بفضل طبيعته عديمة الجنسية واللامركزية. هذا الاتساق أصبح هدفاً لأبحاث خبراء التقنية في المنطقة.

هذا جزئياً السبب وراء وجودي هنا.

أنا هنا، أيضاً، بسبب إعلان رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب انسحابه من المنطقة، مبرراً ذلك بقرب هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وشاجباً سوريا بصفتها أرض الحروب اللانهائية أو أرض “الرمال والموت” كما أسماها.

 

وقد تراجعت الولايات المتحدة في قرار الانسحاب الآن فعلياً، ولكن الكثيرين آمنوا حينها بحتمية هجوم تركيا، التي تتقاسم جزءاً من حدودها مع الشمال السوري. إذ شنت تركيا هجوماً مستمراً على المنطقة منذ عام 2016.

وثارت مخاوف من انهيار النظام السياسي لروجافا أمام القوة الجمعية للدول القومية، حال تمكنت تركيا من أخذ زمام السيطرة. لن تكون هناك المزيد من المقاومة، وهي مقاومة أصبحت موضع أهمية خاصة لي.

كتبتُ في السابق عن إمكانيات تقنية البلوكتشين والعملات المُشفرة في روجافا. وشعرت حينها أنَّه على الرغم من افتقاد المنطقة للأمن والموارد الأساسية التي يعرضها الغرب، إلا أنَّ لديها شيئاً يفتقده، وهو إمكانية تحقق نظام إدارة جديد على أرض الواقع.

ولهذا، أمضيت ما يزيد عن الشهر محاولة الدخول إلى البلاد، للتطوع بمهاراتي في كلاً من الإعلام والعملات المًشفرة لشبكة جديدة من الأكاديميات التكنولوجية قيد التطوير في المنطقة.

وصلت إلى بيتي الجديد يوم الاثنين 25 فبراير/شباط. هنا، وفقاً لآراء المنتقدين، رضخت روجافا لإغراء المألوف، محاكية بناء الرأسمالية وهياكلها الهرمية في الاقتصاديات المحلية خلال سعيها لتطبيق الفيدرالية الديمقراطية.

ويرغب قائد برنامج التطوير التكنولوجي بروجافا، إرسلان سيرديم، في تصحيح ذلك بخلق كيانات تسمح بنمو وازدهار الاقتصاديات الإيكولوجية القائمة على المساواة، أو ما يسميها مناصريها بـ”الحداثة الديمقراطية”.

وطِبقاً لسيرديم، يمكن تحويل هذا الحلم إلى واقع بمساعدة المزيج المناسب من الفلسفة والتكنولوجيا.

قال سيرديم: “نحن نتحدث عن شكل جديد من المؤسسات يمتاز بمستوى عالٍ من التقنية، مما يمكنه من تطوير أدوات مفيدة للمجتمع وتحقيق علاقة جيدة مع الطبيعة. هذا هو أملنا”. ثم أضاف: “يمكن للمؤسسات اللامركزية الاستناد إلى دعم تكنولوجيات لامركزية موازية”.

 

قدامى المحاربين والمهندسون المجتمعيون

ستُستخدم الأكاديميات التي يعكف سيرديم على بنائها لتدريب مخترقين في مختلف التقنيات اللامركزية.

فعلى سبيل المثال، يبحث المشاركون في أمور الإدارة الرقمية والعملات المُشفرة وحلول تقنية البلوكتشين لتوزيع الموارد الطبيعية بعدالة. وما زال سيرديم يسعى لتجنيد المزيد من المساهمين في الأكاديميات، باحثاً عن أصحاب المهارات التقنية في روجافا، كما يدرب أيضاً قدامى المحاربين المصابين ابتداءاً من مهارات البرمجة الأساسية.

ويشارك حالياً ثلاثون من قدامى المحاربين في البرنامج.

لا يكتفي سيرديم بتجنيد مشاركين من شتى أنحاء الشمال السوري، ولكنه يحشد أيضاً مساعدات من يسميهم بـ”المهندسين المُجتمعيين”، وهم مجموعة من المخترقين والفلاسفة ذوي التوجه السياسي، يركزون اهتمامهم على إعادة تشكيل التكنولوجيا.

ويقول سيرديم: “لقد رأينا كيف يعيد التاريخ نفسه. سيلاقي النظام الحالي نفس المصير” بدون مساعدة هؤلاء.

وخلال حديثه مع موقع كوين ديسك CoinDesk بمساعدة مترجم، ردد مطور البرمجيات وعضو الأكاديمية هوزان مامو، أصداء ما قاله سيرديم، مؤكداً أنَّ بإمكان الأكاديميات التكنولوجية حل المشكلات التي ظهرت في المجتمع المدني.

واستشهد سيرديم بدور أدوات الإدارة اللامركزية في إضفاء طابع رسمي على صناعة القرار وإبقاء السلطة تحت المراقبة.

على الناحية الأُخرى، يقول مامو إنَّ العملات المُشفرة قد تساعد أيضاً، إذ لا تتوافر إمكانية الوصول إلى المعاملات الإلكترونية في روجافا. فساكنو روجافا ما زالوا معتمدين على النقود الورقية الصادرة عن النظام السوري، مما يعنى أنَّ المنطقة مرتبطة اقتصادياً بالنظام حتى الآن.

لذا يبحث مامو عن الإمكانية العملية لإقناع التجار المحليين بقبول العملات المُشفرة، كخطوة أولى نحو تحقيق ذلك.

 

روح العملات المُشفرة

على الرغم من كل هذا، ما زال هناك الكثير من التشكك يحيط بالمشروع.

ففي روجافا، تطل التكنولوجيا بوجهها عموماً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والانتشار المفاجئ للهواتف الذكية التي تحمل في الأغلب تطبيقات فيسبوك Facebook، وايوتيوب YouTube وواتساب Whatsapp والتي كان لها تأثير ملموس على المشهد المجتمعي.

وأدى الاستخدام الهوسي للهواتف الذكية إلى تطور جو من الريبة في التكنولوجيا، وهو ما قد يؤثر سلبياً على تبني تقنيات البلوكتشين والعملات المُشفرة.

وأشار سيرديم إلى أنَّه ينتوي استخدام الأكاديميات في إعادة تعريف التكنولوجيا، في محاولة لمكافحة الانطباع السلبي عنها، مُحولاً مسار السردية بعيداً عن المجموعات ذات المصالح المؤسسية التي احتكرت مواقع التواصل الاجتماعي، والبنية التحتية للشبكات وحتى الأجهزة في المنطقة.

وقال سيرديم: “هناك أشكال مختلفة من التكنولوجيا. فهناك تكنولوجيا الدول القومية والشركات، ثم هناك تكنولوجيا حركة المقاومة التي تحاول الكشف عن المزيد من الأفكار الممكن توظيفها ضد النظام الحالي”.

وتعد البتكوين (BTC) والتقنيات اللامركزية الأُخرى شكلاً من أشكال هذه “التكنولوجيا المقاومة”، أي الأدوات التي طورها المقهورين لاسترجاع القوة عبر تاريخها. ويتمنى سيرديم تطوير بعض هذه التقنيات، أو البدائل، داخل الأكاديميات.

وأضاف سيرديم، “يمكننا الاستفادة بهذا النوع من التكنولوجيا الذي تبتكره حركة المقاومة. نحن الآن في البداية، لكننا سنكتشف في غضون العملية أشكال التكنولوجيا التي نحتاجها لتحقيق الحداثة الديمقراطية”.

ويؤمن مامو بإمكانية تحقق تبني التقنيات المُشفرة بسرعة، خاصة وسط الأجيال الأصغر سناً، بالتركيز على سهولة الاستخدام والأمان. فطِبقاً له، لا ينقص شباب روجافا الحماس للتكنولوجيا بالإضافة إلى تمتعهم بأهلية قوية لها.

 

وقال مامو إنَّ النظام السوري أعاق عن عمد التطور التكنولوجي في المنطقة قبل اندلاع الثورة، بحظره تعليمها في الجامعات وإلقاءه القبض على من حاولوا التطوير من مهاراتهم.

كما أضاف مامو أنًّ الثورة “فتحت الحدود” أمام التكنولوجيا، مؤدية إلى تطور سريع في المنطقة.

ليس الانفتاح على التكنولوجيا الشيء الوحيد الذي يحاول سيرديم والآخرين الدفع نحوه. فأكاديمياتهم تركز بشدة على الفلسفة أيضاً، خاصة أعمال عبدالله أوجلان، الفيلسوف السياسي المعتقل الذي ألهمت كتاباته الثورة في روجافا.

ويسعى أوجلان، في كتاباته، إلى أعادة هيكلة المجتمع جذرياً بتحدي جذور الهرمية والهيمنة التي يرتكز عليها.

وهي فلسفة تتردد أصداؤها بقوة في الأيديولوجيات التي يؤمن بها العديد من مناصري العملات المُشفرة، وحتى يمارسونها باهتمامهم واستخدامهم حركة المصادر المفتوحة.

وكما أخبر سيرديم موقع كوين ديسك، فستناصر الأكاديميات نفس الأفكار.

إذ قال سيرديم، “نحن نسعى لخلق كومونة تكنولوجية لحل المشاكل التقنية، إضافة إلى تكوين المهندس الاجتماعي أو الشخص السياسي في المجتمع الأخلاقي”.

ثم اختتم حديثه قائلاً: “نحن نحاول نقل فلسفة المصدر المفتوح إلى أرض الواقع في روجافا، والتعريف بكيفية خلق مجتمع يستنير بالمصادر المفتوحة”.